الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
67
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذه الآية انتقال إلى ذكر طعن المشركين في القرآن وهي معطوفة على جملة وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ [ سبأ : 29 ] . والاقتصار على حكاية مقالتهم دون تعقيب بما يبطلها إيماء إلى أن بطلانها باد لكل من يسمعها حيث جمعت التكذيب بجميع الكتب والشرائع وهذا بهتان واضح . وحكاية مقالتهم هذه بصيغة الماضي تؤذن بأنهم أقلعوا عنها . وجيء بحرف لَنْ لتأكيد نفي إيمانهم بالكتب المنزلة على التأبيد تأييسا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين من الطمع في إيمانهم به . واسم الإشارة مشار به إلى حاضر في الأذهان لأن الخوض في القرآن شائع بين الناس من مؤيد ومنكر فكأنه مشاهد . وليس في اسم الإشارة معنى التحقير لأنهم ما كانوا ينبزون القرآن بالنقصان ، ألا ترى إلى قول الوليد بن المغيرة : « إن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق » ، وقول عبد اللّه بن أبيّ بعد ذلك : « لا أحسن مما تقول أيها المرء » ، وأن عتبة بن ربيعة لما قرأ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن وقال له : « هل ترى بما أقول بأسا ؟ » فقال : « لا والدّماء » . وكيف وقد تحداهم الإتيان بسورة مثله فلم يفعلوا ، ولو كانوا ينبزونه بنقص أو سخف لقالوا : نحن نترفع عن معالجة الإتيان بمثله . ومعنى بَيْنَ يَدَيْهِ القريب منه سواء كان سابقا كقوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ [ سبأ : 46 ] وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت بين يدي الساعة » « 1 » أم كان جائيا بعده كما حكى اللّه عن عيسى عليه السّلام وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ في سورة آل عمران [ 50 ] . وليس مرادا هنا لأنه غير مفروض ولا مدّعى . وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ . أردفت حكايات أقوالهم وكفرانهم بعد استيفاء أصنافها بذكر جزائهم وتصوير فظاعته بما في قوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ الآية من الإبهام المفيد للتهويل . والمناسبة ما تقدم من قوله : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ [ سبأ : 29 ] فإنه بعد أن ألقمهم الحجر بقوله : قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ [ سبأ : 30 ] إلخ أتبعه بتصوير حالهم فيه . والخطاب في وَلَوْ تَرى لكل من يصلح لتلقي الخطاب ممّن تبلغه هذه الآية ، أي
--> ( 1 ) رواه أحمد في « مسنده » وأبو يعلى والطبراني .